Tuesday, December 12, 2006

ج 2 صبرنا انتهى : الاستقطاب الامريكي – الايراني لماذا ؟: للأستاذ صلاح المختار

الجزأ الثاني

صبرنا انتهى : الاستقطاب الامريكي – الايراني لماذا ؟

صلاح المختار

التصعيد الايراني وانتصارات المقاومة العراقية

ربما يتجاهل البعض واقعة متحركة ومتنامية وبالغة الوضوح وهي ان التصعيد الايراني للتوتر مع امريكا رافق انتقال المقاومة العراقية من مرحلة انهاك الاحتلال الامريكي الى مرحلة تطهير المناطق المحررة وتحويلها الى مناطق امنة منها تنطلق الخطوات التالية في عمليات التحرير . وذلك تطور ادى الى اجبار ايران على الدخول في معركة العراق بثقل اضافي جديد يمثل اعلى ما عندها من قدرات وامكانات لاجل منع تقدم المقاومة العراقية نحو النصر الحاسم . فماذا حصل ؟ ان اضطرار ايران لزج كل طاقاتها في المعركة الضارية ضد المقاومة الوطنية العراقية عزز تحالفها مع امريكا وقدم للعراقيين والعالم اجمع صورة متكاملة عن الدور الايراني في تدمير المدن العراقية كاداة من ادوات امريكا ، لدرجة ان عملاء ايران لم يكونوا وحدهم من يبيدون البشر والحجر بل ان حرس خميني والمخابرات الايرانية كانا في مقدمة القوى التي تهاجم المقاومة والمدن العراقية وترتكب المجازر البشعة ضد الشعب العراق او تخطط لها .

هذه حقيقة يعرفها كل عراقي ودخلت في ذاكرته الى الابد ولا يهم ما يقال من الان وحتى بعد مائة عام من نفي او تخفيف للدور الاجرامي الايراني ، الامر الذي يعني ان ايران قد دخلت في معركتها في العراق مرحلة كسر العظم مع العراقيين التي لارجعة فيها ، لان معركة العراق هي التي ستقرر مصير ايران ومستقبلها . ان العنف والعنف في اكثر اشكاله وحشية كان خيار ايران لمنع هزيمة الاحتلال ، لان الهزيمة تقود الى قيام العراق المحرر بتشكيل مركز استقطاب أقليمي يسلب من ايران من خدعته بصورتها كقوة تقاتل امريكا ويصبح هو الطرف الاخر في المعادلة الستراتيجية مقابل امريكا ، فينحط دور ايران .

كما ان العراق المحررسيقوم بكشف كافة اوراق ايران امام العالم اضافة لشن حملة كبرى تقوم على توثيق الدور الايراني في تدمير وغزو العراق ، وبذلك تغلق الابواب امام المشروع الامبراطوري الصفوي الذي قام على اساس التستر بالاسلام لخداع السذج من المسلمين . فاذا عرف العالم الاسلامي ان ايران كانت الشريكة الاساسية لامريكا في غزو وتدمير العراق وانتهاك حرمات مسلمي العراق فان كل جهود ايران منذ 1400 عام لاعادة بناء الامبراطورية الفارسية ستنهار .

ان الحلقة المفرغة التي وجدت ايران نفسها فيها اجبرتها على محاولة كسرها للخروج منها ، والترجمة الوحيدة لذلك هي ان ايران اخذت تتسابق مع امريكا على ابادة العراقيين ، مثلا ما يقوم به مقتدى الصدر ، والعمل على تقسيم العراق ، مثلا تمسك الحكيم الايراني الاصل والولاء بتطبيق الكونفدرالية في حنوب العراق ! وبطبيعة الحال فان هذه الخطوات احرقت اغلب اوراق ايران عربيا واسلاميا واصابت حتى اشد انصار ايران العرب بالصدمة لتجسد التناقض بين شعارات ايران الاسلامية وممارساتها المعادية للاسلام والمسلمين في ارض العراق الجريح ،ولكونها تعمل طبقا لمبدأ المعايير المزدوجة فهي في العراق مع امريكا كليا ، لكنها في لبنان ضد امريكا !

وهنا فرض سؤال جوهري نفسه على ايران : ما العمل للتخلص من الاثار البشعة على سمعة ايران ، وهي اهم سلاح تستخدمه لاختراق العرب ، والتي انتجها الدور الايراني في العراق ؟ الجواب السريع كان يجب تحسين صورة ايران امام العالم الاسلامي وبالاخص امام العرب . ولكن سؤال اهم فرض نفسه : كيف تحسن ايران صورتها وقد غطست حتى شعر الراس بدم العراقيين وصار وجهها يحمل نفس ملامح اسرائيل الفاشية ؟

جوابا على هذه التساؤلات قررت ايران ان تلجأ لتنفيذ خطة تقوم على خلط الاوراق الاقليمية والعالمية لاجل ارباك المواطن العادي وتوفير منطق ، ولو شكلي ، لغلمان طهران من المثقفين والساسة العرب ليقوموا بالدفاع عن ايران . وكانت الخطة هي تفجير صراع عالي الصوت خصوصا في الاعلام مع امريكا واسرائيل ، من منطلق معروف وهو ان الصراع مع امريكا واسرائيل هو اسهل واقصر الطرق لكسب دعم الراي العام العربي والاسلامي .

خميني يقود من قبره

وبدأ تنفيذ الخطة باسقاط هاشمي رفسنجاني في انتخابات عام 2005 وايصال محمود احمدي نجاد رئيسا لايران ، وهو شخص كان مغمورا ، واصدار خامنئي الاوامر له بالعودة لشعارات خميني الاصلية واهمها ( الموت لاسرائيل ) و ( الموت لامريكا ) . فماذا حصل ؟ رأينا نجاد يدعوا لزوال اسرائيل ويتحدى امريكا ! وكان موضوع المفاعلات النووية الايرانية هو مسمار جحا ليس لايران فقط بل ايضا لامريكا ومعها اسرائيل واوساط اوربية طبعا . وبدأت لعبة صراع الديوك وتعالى صراخ اللاعبين حتى طغى على رصاص المقاومة العراقية ، طبعا خارج العراق ، وتصور كثيرون ان ايران ستهاجم غدا او بعد ساعة ، نتيجة التهديدات الاسرائيلية والامريكية والاروبية لايران ، واخذت اسعار البورصة تتراقص بسسب ذلك .

هل كانت اللعبة الايرانية كلها تتركز حول مباراة الشتائم والتهديدات المتبادلة ؟ كلا ، فلقد اكتشفت ايران ان العرب لم يعودوا يكتفون بشتم امريكا واسرائيل لمنح ثقتهم لمن يشتم ، بل هم يريدون عملا كبيرا وفعالا ضد امريكا اواسرائيل . وبالمقابل ولنفس السبب كانت امريكا تزداد غرقا في البئر الذي حفرته في العراق ، وكان اخطر ما في هذه الحالة هو ان الراي العام الامريكي قد اخذ يعد الدولارات التي تصرف على العراق من جيوب دافعي الضرائب ويشعر بانه بدلا من تضخم جيوب افراده نتيجة استعمار العراق اخذت هذه الجيوب تتقلص . كما ان التوابيت اخذت تزداد واصبح في كل منطقة او مدينة او قرية قتيل او جريح . وهكذا نجحت المقاومة العراقية في الوصول الى البوابة الاعظم للنصر على امريكا وهي جعل قضية العراق قضية امريكية داخلية تضغط بشدة على اعضاء الكونغرس وعلى غيرهم . من هنا كانت امريكا ايضا بحاجة لعمل ما كبير ومزلزل يستطيع ابعاد انظار العالم عن العراق واشغاله جبرا بموضوع اخر . فماذا حدث ؟

اندلعت الحرب في جبهة لبنان في تموز – يوليو الماضي بقرار امريكي – ايراني متوافق كليا ، لان حربا مع اسرائيل هي وحدها التي ستنقل الانظار من جبهة العراق البالغة السخونة الى لبنان ، مع ان لبنان ساحة صراعات ثانوية وملحقة بالصراع الاساس في العراق . كانت امريكا تريد من اسرائيل ان تضرب ايران في الساحة اللبنانية لدفعها الى عدم الضغط عليها في العراق بواسطة الفرق الصفوية . كما كانت تريد ان تعتم على الهزيمة المرة في العراق باشغال مواطنيها بموضوع الحرب في لبنان وتحريك ثقافة دعم اسرائيل في المجتمع الامريكي الى ابعد مدى ممكن . واخيرا وليس اخرا كانت امريكا تريد ان تبعث برسالة للمقاومة العراقية بانها لن تتراجع عن غزوها للعراق مهما واجهت من تحديات فيه .

اما ايران فقد ارادت ان تستخدم حرب لبنان لازالة الدم العراقي وبقايا اشلاء اطفال العراق من وجهها البشع بتجميله بانامل لبنانية ، اشتهرت باتقانها فن التجميل بالجراحة البلاستيكية ، ثم التضحية بتلك (الانامل) اللبنانية . لقد وصلت بشاعة وجه ايران في العراق لدرجة ان بعض العراقيين الذين وضعتهم عصابات الصدر وبدر امام الموت المحقق ، كلما خرجوا من بيوتهم ، اخذوا يتمنون الموت على يد امريكا وليس على يد عصابات ايران لان هذه العصابات تعد التعذيب ، غير المسبوق في العراق حتى في ابو غريب ، هدفا بحد ذاته يعبر عن احقاد صفوية مريضة وانتقامية عمرها 1400 عام سببها الحقيقي اسقاط العرب لامبراطورية فارس ، بينما القتل والتعذيب الامريكيين غائيين ، اي ان لهما غاية فاذا تحققت توقف التعذيب والقتل .

ونتيجة لهذا الفرق السايكولوجي المهم بين القتل على الطريقة الايرانية والقتل على الطريقة الامريكية بنت امريكا موقفا يدعو العرب العراقيين ضحايا بروتوكولات الفرس الى التعاون مع امريكا لتقليم اظافر ايران بضرب عصاباتها . ومع الاسف فقد طغت الام التعذيب الايراني على التفكير الوطني السليم لدى بعض العراقيين فوقعوا في فخ امريكا واخذوا يصرخون بوعي الغريزة الانسانية التي تريد المحافظة على البقاء : نعم للتعاون مع امريكا للقضاء على عصابان ايران ! هذا الموقف الخطير المفهوم انسانيا لو صار راي الاغلبية فسيكون اكبر انتكاسة للثورة العراقية المسلحة ولهدف طرد الاحتلال ، لان من ادخل ايران الى العراق ومن جعلها مخلبه الاشد ايذاء لشعب العراق هو امريكا ، فايران ودورها عبارة عن امتداد للاحتلال وفرع من فروعه والفرع يزول مع زوال الاصل وليس العكس .

وبالاضافة لاستبطان حرب لبنان هدف تجميل وجه ايران الشديد البشاعة كانت الطليعة الشوفينية الفارسية تعرف ان كشف حقيقتها في العراق يهدد بتوقف عجلة مشروعها الامبراطوري عن الدوران ، لذلك فان تعميم انطباع ان من وقف وراء الحرب مع اسرائيل في لبنان هو ايران وانها من زود حزب الله بكل اسلحته ومعداته وخططه الهسكرية والامنية ، كان ضروريا جدا لخروج ايران من بالوعة العراق وتنظيف وجهها من الدم العراقي بقمصان حرير شهداء لبنان ، ثم تقديم نفسها على اساس انها صانعة السلام والحرب في الاقليم وانها هي وليس غيرها من يستطيع كبح اندفاعات امريكا واسرائيل !

من راي وزير خارجية ايران وهو يبدو ديكا منفوش الريش اثناء تنقله بين العواصم اثناء الحرب على لبنان يتحدث باسمه وباسم من يقاتل في لبنان لم يدهش ابدا ، لان الواقع يقول ان من هندس لكل تفاصيل الحرب على لبنان هو المخابرات الامريكية والايرانية . لهذا فان من اهم اسباب التصعيد والحرب على لبنان هدف منح ايران زخما جديدا يمكنها من مواصلة تنفيذ خطة اقامة امبراطورية صفوية على انقاض الامة العربية وبالتنسيق مع امريكا والتوافق مع اسرائيل . ومن ينظر الى المشهد العربي اثناء الحرب على لبنان وبعدها يدرك ان تلك الحرب لم تخدم احدا سوى ايران اولا وثانيا وعاشرا بعد المئة ثم امريكا .

تقليم اظافر ايران لمصلحة من ؟

بوقوع الحرب الامريكية – الاسرائيلية – الايرانية ضد لبنان وخروج ايران منها بصفتها المستفيد الاكبر اصبح بامكان ايران ان تصعد جرائم فرق الموت التابعة لها في العراق لتوسع حملات التصفية الطائفية ، التي تستبطن الهدف الحقيقي وهو التصفية العرقية للعرب السنة والشيعة خصوصا في بغداد . واحد اهم اسباب اختيار بغداد هو ان حسم الحرب لصالح المقاومة سوف يتم في بغداد وليس في غيرها لذلك فان من مصلحة امريكا وايران ان تبقى بغداد بعيدة عن الحسم بعد تحويلها الى ساحة حرب طائفية . كما ان ايران دفعت فيالقها في الاقطار العربية للخروج ا لى الشوارع وتهديد الاوضاع القائمة واجبار العالم على تركيز عيونه على ايران . ثم قامت ايران باستغلال ساحة العراق التي صارت فخا مميتا لامريكا لاجبار الاخيرة على تقديم تنازلات جوهرية وليس ثانوية لان امريكا قبلت اصلا بتقديم مكافئة لايران لكنها ثانوية وليس جوهرية .

بوقوع كل ذلك وصل التحالف الامريكي – الايراني في العراق الى منعطف حاسم ، فاما ان تستسلم امريكا لما تريده منها ايران وهو الاعتراف بانها قوة اقليمية عظمى لها دور مهم في المساهمة برسم سياسات الاقليم ، وان مصالحها و(حقوقها ) الجغرافية والسكانية في الخليج العربي مثلا ، والايديولوجية ، مثل حماية الصفويين في الوطن العربي والعالم الاسلامي وجعل العتبات المقدسة في العراق والسعودية مناطق دولية ، يجب ان يعترف بها ، او ان ترفض امريكا تقديم هذه التنازلات الجوهرية لايران وتنفذ خطة لتقليم اظافرها انطلاقا من العراق .

أذن هناك تحالف ستراتيجي ومصلحي بين امريكا وايران محوره تذويب الهوية العربية للوطن العربي ، وذلك هدف جوهري امريكي – اسرائيلي ، انطلاقا من تذويب عروبة العراق ، ووصل التحالف حد تقاسم الحصص فارادت ايران اكثر مما تستطيع امريكا تقديمه لها فاندلع صراع عض اصابع بينهما ، وهو صراع غير جوهري لان هدفه توزيع الحصص ، بدليل ان التحالف بقي قائما بينهما رغم ان كل منهما يعض اصبع الاخر بقوة احيانا وبرفق عشاق احيانا اخرى . واخر دليل على استمرار التحالف المصلحي هذا هو الغزل العلني والرسمي بين الرئيس الايراني نجاد والرئيس الامريكي بوش، واللذان اتفقا على ان ايران يجب ان تلعب دورا ( بناء ) في العراق ! كما ان تقرير بيكر- هاملتون كرس ضرورة الدور الايراني في الوصول الى حل لقضية احتلال العراق . هل هذا الاطار يحدد اتجاهات الخلاف بين البلدين ؟ نعم فان حرب ايران وامريكا هي حرب جودو ، والتي ينتظرها السذج والخدج منذ اكثر من ربع قرن ومع ذلك لم تصل بعد عرباتها الملكية الى محطة الواقع !

ان حدود التنافس بين الطرفين يحددها عامل حاسم وهو قوة المقاومة العراقية ، فالعدو المشترك للطرفين هو المقاومة العراقية ، ومادامت المقاومة هي سيدة المشهد العراقي فان التحالف الامريكي – الايراني سيبقى قويا ومستمرا حتى لو سكب نجاد قدح شايه في وجه بوش في حركة صبيانية ، او قام بوش بضرب الغلام الايراني الولاء مقتدى الصدر على مؤخرته امام الناس لتاديبه على تجاوزه حدود التخويل الامريكي – الايراني له بالعبث بارواح العراقيين .

ان المقاومة كانت وستيبقى الهاجس الاول والكابوس الاكثر تخويفا لكل من امريكا وايران ، لانها هي ، هي وحدها ، من تستطيع ان تضع المشروعين الاستعماريين الامريكي والايراني في خانة الفشل . والاسوأ من ذلك (امريكيا وايرانيا) هو ان المقاومة بانتصارها في العراق سوف تدفع بامريكا الى حافة الانهيار الداخلي والدولي . اما ايران فان بشاعة جرائمها في العراق والتي اصبحت مكشوفة للعراقيين جميعا خصوصا لشيعة العراق ، الذين سرق اسمهم واستخدم للقيام بكل مامن شانه الحاق الخراب بالعراق كوطن والمأسي بالعراقيين كشعب ، والتي بزت جرائم هولاكو وجنكيزخان ، بشاعة جرائم ايران هذه تدفعها للقيام بكل عمل يائس يمنع المقاومة من الوصول الى السلطة لانها ستفضح هذه الجرائم امام الملأ بتقديم الاف الشواهد والادلة الدامغة على معاداة ايران الصفوية للعرب بشكل خاص وللمسلمين بشكل عام .

من لا ينتبه لهذه الحقائق لا يستطيع فهم : 1 - الغاز الاقتراب الشديد والبعد الشديد الامريكي – الايراني و2 - الغاز العض باسنان حيوانات نباتية والشتائم المتبادلة بمفردات التقية اليهودية في الموضوع النووي ، و3 - الغاز غزل المراهقين العصي على الاخفاء في موضوع تذويب هوية العراق عن طريق فرق الموت وتهجير عرب العراق ، والذين وصل عددهم الى اكثر من اربعة ملايين عربي هجروا بقوة فرق الموت ! والان المطلوب امريكيا هو تقليم اظافر ايران في العراق لا غير وعدم تدمير نفوذها فيه من الجذور ، لان لايران دورا اقليميا يجب ان تلعبه وفقا للمخطط الامريكي الاسرائيلي ، سواء بقي هذا النظام البراغماتي الصرف في طهران او استبدل بنظام اخر اكثر مقبولية ايرانيا وعالميا من نظام اقترن اسمه بابشع حقبة في تاريخ ايران والمنطقة والعالم .

اما ايران فان زعامتها تعرف حدودها وهي لذلك تناور بذكاء هو ليس ذكاء نجاد شخصيا بل ذكاء النخب الشوفينية الفارسية التي تخطط لبناء امبراطورية فارسية منذ الفتح العربي لبلاد فارس وتحطيم الامبراطورية الفارسية . هذه النخبة وضعت بروتوكولات لا تختلف من حيث الجوهر عن بروتوكولات حكماء صهيون ، لانهما تشتركان في هدف بناء امبراطورية من خلال خطط مئوية ( قرن من الزمن ) او خمسينية ( نصف قرن ) ، يتم من خلالها تغيير الاوضاع ببطء شديد ينسجم مع ثقافة طول البال والبطء القاتل (لغير الفرس) في نسج الزوالي ( السجاد ) الايرانية يموه بدقة الاهداف الحقيقية ويسقط لدى ذوي الحس التاريخي المتبلد القدرة على اكتشاف ان حسقيل اليهودي ليس مجرد تاجر او صائغ مسالم ، وان مرزا الفارسي ليس مجرد جائع هاجر من بلاد فارس بحثا عن لقمة العيش فاشتغل خبازا او عاملا في الشورجة في بغداد او في اسواق الخليج ، لانهما ، حسقيل ومرزا، بعلمهما او بدونه ، يعملان وفق خطط بعيدة المدى للصهينة والتفريس للمكان الذي يهاجران اليه .

فضائيات تغييب الخيار الثالث

حينما تريد اجبار بعض الناس على اختيار ما تريده انت ، لا ما يرغبون هم فيه، ضعهم امام خيارات اخرى قد تشبه خياراتهم المرغوبة بالشكل لكنها مناقضة لها في الجوهر او النتائج . هذا بالضبط ما تفعله امريكا وايران في العراق بشكل خاص وفي الوطن العربي بشكل عام . فالصراخ وعض الاصابع والشتائم والركلات المتبادلة بين نجاد وبوش وبينهما خامنئي ، وامتدادها الى المارينز العرب (جيش المهدي الامريكي) ، والى فيلق بدر وتوأمه فيلق الصدر ، (المارينز الايراني ) ، هو احد اهم اساليب وضع المواطن العربي امام نفقين لاغير ، احدهما اشد ظلمة من الاخر ، للهروب من يوم المحشر الذي اقامه جلادون من البشر : اما ان تدخل النفق الامريكي او تدخل النفق الايراني ! لقد تعمد الطرفان تغييب الطرف الثالث الذي يتعرض لاجتثاثهما الجسدي والفكري والتنظيمي وهو المقاومة العراقية !

من ينظر الى ساحة الوطن العربي ماذا سيرى منذ تموز الماضي ؟ سيرى عربدة امريكا وايران تطغى في الاعلام والتحركات الدبلوماسية . أما على صعيد شعبي فانه سيرى لبنان من شدة عزف نشيد المقاومة ورد الطرف الاخر عليه ، وكأنه يخوض معركة تحرير القدس وحيفا ويافا ! اما المقاومة العراقية والتي كانت بالنسبة للمثقفين العرب خارج العراق حتى مطلع عام 2006 هي الامل العربي في التحرير واعظم ظاهرة اعجازية في تاريخ المقاومة ، كما وصفت من الجميع ، فانها غيبت عمدا من الاعلام ، اولا ، ثم من ذاكرة الحالمين بتحرر العرب ووحدتهم ، ثانيا ، عبر اسقاط كل اوصاف المقاومة العراقية على حزب الله ، واطلاق اوصاف جديدة عليها اهمها انها اصبحت حربا طائفية !

كيف حصل ذلك ؟ ان التغطية الاعلامية للاحداث في لبنان والعراق بدت مسيرة واكدت مرة اخرى ، واخرى ، وجود تحالف امريكي - ايراني ، لان فضائيات (اصدقاء) امريكا وبالاخص الجزيرة والعربية ، تحولت بقدرة قادر الى منبر لحزب الله وفاقت قناة المنار في تمجيدها له ! وسبق ذلك قيام اطراف كثيرة نتيجة للجهل او التجاهل باستغلال تفجير مرقد الامام علي الهادي (ر) وما اعقبه من هجمات شرسة وذات اهداف طائفية قادها الغلام الصفوي مقتدى الصدر ، لنزع كل الصفات التي اطلقت على المقاومة العراقية والتركيز على وصفها بانها اصبحت (حربا طائفية) ! ياسبحان الله ! كيف يمكن لاعظم مقاومة في التاريخ ان تصبح بحدث واحد حربا طائفية رغم انها مازالت حرب تحرير وطني عظمى ؟ انها الدعاية الايرانية الامريكية المشتركة ، والتي كان وجهها الابرز اعلامي من اصل تونسي وهوى ايراني عتيق ، هي التي عتمت وغيرت انتباه الناس عن حقيقة الوضع العراقي لخلق بيئة نفسية تسمح بابراز بطل ساحة ثانوية ( حسن نصر الله ) ليصبح البطل الظاهري للساحة الاعظم ، في حين عتم على بطل الساحة الرئيسية ( المقاومة العراقية ) وحول في الاعلام الالكتروني الى مقاتل في حرب طائفية !

والان هل عرفتم حجم المؤامرة على العرب ؟ وهل اكتشفتم كيف يشارك فيها من يعد مخالفا لايران ومرعوبا منها و(صديق) لامريكا من خلال تلميع اهم واخطر الاذرع الايرانية ؟ هل يوجد مؤشر اوضح من ذلك لقرار امريكا تلميع وجوه ايرانية ، او ايرانية الهوى ، لان ذلك يغطس وجوه اسود العراق في عتمة شبه كاملة مع انهم يمرغون انف امريكا سيدة اسرائيل في الوحل ؟

ان المكسب الامريكي الاكبر الذي تحقق بفضل هذا التونسي الايراني الهوى وامثاله هو تنزيل مرتبة المقاومة العراقية باعين ملايين الناس ، خارج العراق طبعا ، بوصمها بانها حرب طائفية ورفع ايران ووضعها فوق رؤوس البعض من خلال وصفها بانها (حاضنة وداعمة المقاومة اللبنانية) ، مع انها تقطع رؤوس العراقيين يوميا بسكاكين عمياء امام مرأى الاف العراقيين المذهولين ! لماذا هذا التطور مكسب امريكي ؟ لانه جرد المقاومة العراقية من بعض الدعم المعنوي الذي كانت تتمتع به خارج العراق قبل حرب لبنان ونقله الى جهة اخرى هي المقاومة اللبنانية لن تحسم ، ومهما فعلت ، الا موضوع مزارع شبعا ، في حين ان مقاومة العراق حين تنتصر ستحسم اوضاع العرب كلها بل ستدفع نحو حسم الدور الامريكي العالمي ! هل توجد خدمة اكبر من هذه لامريكا قدمتها ايران لها بفضل حرب الديوك التي يخوضها خامنئي ونجاد مع بوش ؟

لقد منعت تأثيرات الفضائيات الموجهة امريكيا ، خصوصا بواسطة تكتيك نقل تركيز النظر من مركز وبؤرة الحدث الرئيسي الى حدث اخر ثانوي لكنه بفضل تقنيات هولي وود والمؤثرات السمعية والبصرية يكبر وينفخ ليصبح الحدث الاكبر، وتكتيكات ايران السياسية القائمة على جلب الانتباه بواسطة رصاص خلب ، اي ازمات مفتعلة ، نقول منعت هذه الاساليب بروز الاستقطاب الثالث ، اي استقطاب المقاومة العراقية ، والذي تبلور بقوة منذ غزو العراق ونما وكبر حتى اصبح هو الاستقطاب الاول عراقيا واقليميا وعالميا ، فجرى تغييبه عن المشهد العربي والعالمي رغم انه مازال هو الاستقطاب الاول في العراق الثائر .

ان قرع الطبول الامريكية الايرانية في واقع الامر ما هو الا محاولة لتغييب الاستقطاب الثالث استقطاب المقاومة العراقية للجماهير العربية وقوى التحرر العربية والعالمية ، لانه استقطاب تحرري يسمح بفرز الخنادق وتحديد قوى التحرر في خندقها وقوى الاستعمار في موقعها ، وهذا الترتيب يعحل بحسم التناقضات الجوهرية ، عراقيا وعربيا وعالما ، دون مداخلات والتباسات الخلط المتعمد بين ما هو ثانوي وما هو رئيسي . أما حين نحصر الاستقطاب في ثنائية امريكا – ايران فانه سيفضي الى اشعال صراع الحضارات ، وما يقترن به من تفجير الغام حروب الاثنيات والطوائف على امتداد العالم ، لان المشروع الايراني يتبرقع باسم الاسلام . وتلك هي البيئة التي تتمناها الاحتكارات الامريكية ، لان المطلوب هو تغييب الاسباب الحقيقية لبؤس الاغلبية الساحقة من البشر وهو ظلم الراسمالية وكافة تجلياتها الثقافية والسياسية . ان الاستقطاب الثنائي الامريكي - الايراني ، او الاصولي المسيحي والاصولي الاسلامي ، هو الوصفة الاكثر خدمة للراسمالية العالمية وللصهيونية ، لانها تغيب حقوق الطبقات المستغلة والشعوب المستعمرة وتضعنا امام اشخاص ورموز مبرمجة على القتل والابادة مثل الصفوي مقتدى الصدر والصليبي ريتشارد بيرل ، والممسوسين بوهم انهم يحملون رسالة ربانية مثل بوش وخامنئي .

وتبقى المقاومة العراقية هي الامل

ولكن هل استقرت وطغت لعبة الاستقطابات التي تصنعها الفضائيات العربية المبرمجة وتكتيكات المخابرات الامريكية والايرانية ؟ بالتاكيد كلا لان الحسم في النهاية يجري على الارض وليس من خلال شاشات الفضائيات او وفق قرارات المخابرات . ومهما فعلت فيالق الاعلام الامريكية والايرانية فان الحسم سيجري في العراق ، لان مناخ الحسم الطبيعي هو في ارض الصراع بين القوتين الحاسمتين ، امريكا والمقاومة العراقية ، وليس في غيره ، رغم ان نقله بالتركيز على حدث ثانوي يؤخر الانتصار الحاسم في ام المعارك قليلا ويزيد تضحياتنا ومعاناة شعبنا . وهذا التاكيد ، على ان الاستقطاب الوحيد القادر على الحسم هو استقطاب المقاومة العراقية ، لا يقصد به استصغار احد بل وضع كل طرف فوق مقعده الذي يناسبه ، ومقعد لبنان ، مع تاكيد دعمنا لمقاومتها واحترامنا لها ، لا يحتمل ان يجلس عليه من يريد دحر اسرائيل لانه اضيق واقل متانة من تحمل الواجب ، فكيف اذا اراد دحر امريكا سيدة اسرائيل ودرعها الواقي ؟

واخيرا ، ولكي لا يستغل الصورة التي قدمناها احد ، يجب ان نذكر بان تاكيدنا على ان المقاومة العراقية ، وليس غيرها ، هي من سيحسم الصراع الاعظم ، ما هو الا تاكيد اضطراري منا لاننا اردنا توحيد المقاومات العربية ودعونا حزب الله علنا لذلك وحصل اتصال ، لان هذه الوحدة تختصر طريق التضحيات وتقرب يوم التحرير الشامل في العراق وفلسطين والجولان ولبنان والاحواز والاسكندرون والجزر العربية الثلاث وتمنع تقسيم السودان ، لكنه لم يستجب واستمر يعمل منفردا ، ومصرا على اعتبار المقاومة العراقية طرفا بعيدا عنه وعن ارتباطاته . لذلك اصبح امرا واقعا وجود تشتتت في عمل المقاومات العربية ، وهو بالتاكيد ليس صدفة وانما يقع في صلب متطلبات انتصار امريكا واسرائيل .

من هنا لم يبق امام المقاومة العراقية سوى ان تحمل صليب التضحيات الاعظم وحدها وتسير على درب الجلجثة وحدها متحملة سهام ايران وفيالق ايران من جهة ورصاص امريكا وفيالقها من جهة ثانية . ومع ذلك سنبقي باب بناء الجبهة مفتوحا مع المقاومات العربية في فلسطين ولبنان لان ذلك هو الطريق السليم والاقل تكلفة للعرب . فهل تتغلب المصلحة العربية لبنانية وفلسطينية وعراقية وسودانية على الارتباطات الاخرى ؟

salah_almukhtar@yahoo.com

للعودة الى الجزأ الاول (بداية الموضوع)

للعودة الى الصفحة السابقة

0 Comments:

Post a Comment

<< Home

  

Webster's Online Dictionary
with Multilingual Thesaurus Translation

     

  English      Non-English
eXTReMe Tracker